محمد بن جرير الطبري
132
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
دريني إن أمرك لن يطاعا * وما ألفيتني حلمي مضاعا قال : فالحلم منصوبب " ألفيت " على التكرير ، قال : ولو رفعه كان صوابا . قال : وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار ، فقال : مثل أعمال الذين كفروا يوم القيامة التي كانوا يعملونها في الدنيا يزعمون أنهم يريدون الله بها ، مثل رماد عصفت الريح عليه في يوم ريح عاصف ، فنسفته وذهبت به ، فكذلك أعمال أهل الكفر به يوم القيامة ، لا يجدون منها شيئا ينفعهم عند الله فينجيهم من عذابه ، لأنهم لم يكونوا يعملونها لله خالصا ، بل كانوا يشركون فيها الأوثان والأصنام ، يقول الله عز وجل : ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يعني أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا التي يشركون فيها مع الله شركاء ، هي أعمال عملت على غير هدى واستقامة ، بل على جور عن الهدى بعيد ، وأخذ على غير استقامة شديد . وقيل : فِي يَوْمٍ عاصِفٍ فوصف بالعصوف ، وهو من صفة الريح ، لأن الريح تكون فيه كما يقال : يوم بارد ، ويوم حار ، لأن البرد والحرارة يكونان فيه ؛ وكما قال الشاعر : يومين غيمين ويوما شمسا فوصف اليومين بالغيمين ، وإنما يكون الغيم فيهما . وقد يجوز أن يكون أريد به في يوم عاصف الريح ، فحذفت الريح لأنها قد ذكرت قال ذلك ، فيكون ذلك نظير قول الشاعر : إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف يريد : كاسف الشمس . وقيل : هو من نعت الريح خاصة ، غير أنه لما جاء بعد اليوم اتبع إعرابه ، وذلك أن العرب تتبع الخفض الخفض في النعوت ، كما قال الشاعر : تريك سنة وجه غير مقرفة * ملساء ليس بها خال ولا ندب فخفض " غير " اتباعا لإعراب الوجه ، وإنما هي من نعت السنة ، والمعنى : سنة وجه غير مقرفة ، وكما قالوا : هذا جحر ضب خرب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ قال : حملته الريح فِي يَوْمٍ عاصِفٍ حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ يقول : الذين كفروا بربهم وعبدوا غيره ، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم ، كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل عليه الريح في يوم عاصف وقوله : ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ : أي الخطأ البين البعيد عن طريق الحق . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يقول عز ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تر يا محمد بعين قلبك ، فتعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق منفردا بإنشائها بغير ظهير ولا معين . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يقول : إن الذي تفرد بخلق ذلك وإنشائه من غير معين ولا شريك ، إن هو شاء أن يذهبكم فيفنيكم أذهبكم وأفناكم ، ويأت بخلق آخر سواكم مكانكم ، فيجدد خلقهم . وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يقول : وما إذهابكم وإفناؤكم وإنشاء خلق آخر سواكم مكانكم على الله بممتنع ولا متعذر ، لأنه القادر على ما يشاء . واختلفت القراء في قراءة قوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " خلق " على " فعل " . وقرأته عامة قراء أهل الكوفة " خالق " على " فاعل " ، وهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا